السلمي
410
مجموعة آثار السلمي
سمعت محفوظا « 1 » يقول كان أبو حفص يكره لأصحابه الأسفار من غير فرض حج أو غزو أو رؤية شيخ أو طلب علم ، فأما الأسفار على المراد فكان يكرهها ، ويقول الرجولية البصر في موضع الإرادة . فقال له حمدون القصار معارضا له أليس اللّه يقول : « أو لم يسيروا في الأرض فينظروا » ، [ 150 ] فقال إنما يسير في الأرض من لا ينظر إلا بالمسير ، فمن فتح عليه الطريق في المقام فسيره ترك للطريق وإضلال له . وسأل عبد اللّه الحجام حمدون القصار ، فقال أعلىّ مطالبة في ترك الكسب ؟ فقال الزم الكسب ، فلأن تدعى عبد اللّه الحجام أحب إلىّ من أن تدعى عبد اللّه العارف أو عبد اللّه الزاهد . وسئل بعض مشايخهم عن الخشوع ، فقيل له إنك تبطل إظهار شئ من الأحوال ، فهل الخشوع إلا على ظاهر البدن ؟ فقال أوّه من فهوم بعدت عن حقائق المعاني ، بل الخشوع اطلاع اللّه على الأسرار فتخشع ، فتتأدب الظواهر بذلك الاطلاع . ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه تعالى إذا تجلى إلى شئ خضع له ؟ هل التجلي إلا على الأسرار ؟ فإذا خشعت الأسرار بالتجلي ورّثت الظواهر حسن الأدب . وقال بعضهم : أفضل مصحوب الإنسان العلم ، لأنه اقتداء ، ولا حظّ للنفس فيه بحال ، وهو جار على مخالفة الطبع ؛ وشرّ مصحوب الإنسان نسكه ، لأنه لا ينفك من التزين والإخبار عنه ، ورؤيته التكبر والتعظيم . ألا ترى الملائكة لما كان مصحوبهم الطاعات ، كيف سالموا رؤيتهم بقولهم « ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك » ، فلما بلغوا مقام العلم قالوا « لا علم لنا » ؟ فإذن أفضل مصحوب الإنسان العلم ، وشرّ مصحوب الإنسان النسك . وقيل لأبى يزيد متى يبلغ
--> - وقد روى عنه السلمى مرتين في هذه الرسالة : مرة عنه عن محفوظ بن محمود الملامتى ، وأخرى عنه عن أبي حفص الملامتى . ( 1 ) هو محفوظ بن محمود النيسابوري الملامتى ، مات سنة 303 . راجع ترجمته في الشعراني ج 1 ص 86 ، وتاريخ بغداد ج 12 ص 221 ، وحلية الأولياء ج 10 ص 351 .